الواجهة الزجاجية: كيف تآكل معنى البرلمان في البحرين؟

عبد الله البحراني - 2026-05-27 - 11:49 م

مرآة البحرين: في فترة اتسمت بتصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتعمق جراح الحريات والحقوق، كان المواطن البحريني يرقب مجلس نوابه، آملاً أن يكون صوتاً للحق ودرعاً للكرامة. بيد أن ما شهده عام 2025 وما تلاه، لم يكن سوى فصل جديد في مسرحية سياسية، تحول فيها البرلمان إلى ما يشبه "واجهة زجاجية" أنيقة، خالية من أي مضمون حقيقي، تعكس بوضوح آلام المواطن وهمومه التي تلاشت في أروقة مؤسسة كان من المفترض أن تمثله. فبدلاً من معالجة قضايا البطالة وتدهور القدرة المعيشية والوضع الحقوقي والسياسي، تحولت الجلسات إلى مشاهد أقرب للكوميديا السوداء؛ سجالات هامشية، وصراعات داخلية، وخطابات لم تُحدث أي تغيير في واقع المواطن.

1. إسقاط العضوية: مشهد "أكلَةُ لحم الزملاء"
لا يمكن لأي مراقب أن يتجاهل حجم الخذلان الذي ساد الشارع البحريني إزاء مشهد تسابق النواب لإسقاط عضوية زملائهم. ففي عام 2026، تجاوز الأمر مجرد الخلاف السياسي ليصبح، في نظر الكثيرين، "إعداماً سياسياً" تحت قبة البرلمان. فقد تسابق النواب للتوقيع على طلب إسقاط عضوية كل من عبدالنبي سلمان، ممدوح الصالح، ومهدي الشويخ. أما التهمة، فكانت تدور حول "الاعتراض على إجراءات أمنية" أو "انتقاد سحب الجنسية".

لقد تحول المجلس من ساحة للنقاش إلى ما يمكن وصفه بـ "مقصلة" سياسية. فبدلاً من أن يوفر الحصانة التي تحمي النائب لقول كلمة الحق، أصبح البرلمان نفسه هو من يسحب البساط من تحت أقدام من تبقى فيه بصيص من الكرامة. إن مشهد النواب وهم يصفقون لإقصاء زملائهم يجسد، بوضوح، "وهم الديمقراطية"؛ حيث يُطرد من يمثل الناس، ويُبقى على من يمثل "الأوامر العليا". هذا المشهد سيبقى محفوراً في ذاكرة الأجيال كوصمة عار على جبين مؤسسة كان من المفترض أن تكون حامية للديمقراطية، فإذا بها تتحول إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية. لقد تآكلت ثقة الناس بالانتخابات، وتغير خطاب الشارع من المطالبة بالإصلاح إلى السخرية المريرة، وباتت الجلسات البرلمانية مادة للتندر، مما أثر سلباً على صورة الدولة دولياً.

2. رئاسة المجلس: "صمتُ القبور" التشريعي
أما رئيس المجلس، أحمد المسلم، فقد رسخ، بحسب مراقبين، مدرسة جديدة في "الزهد التشريعي"، أو بالأحرى "الصمت المطبق". ففي الوقت الذي كانت فيه البحرين تمر بمنعطفات حقوقية خطيرة، سجلت سجلاته الرسمية "صفراً" كبيراً في الاقتراحات بقوانين والأسئلة البرلمانية. هذا الصمت، في نظر المنتقدين، لم يكن بريئاً، بل كان تواطؤاً صريحاً مع سياسات تكميم الأفواه.

إن رئيس البرلمان الذي لا يسأل، ولا يقترح قانوناً، ولا يفتح تحقيقاً، هو في الحقيقة، كما يصفه البعض، 'موظف استقبال' بمرتبة رئيس سلطة، وظيفته الوحيدة هي تنظيم دخول القوانين الحكومية لتخرج من الطرف الآخر بختم 'الموافقة بالإجماع'.
لقد كان المسلم، وفقاً للمتابعين، وفياً لنهج "الموافقة السريعة"، خاصة في قانون الصحافة الذي أبقى على الغرامات الخيالية (50 ألف دينار) كبديل عن السجن، وكأن حرية التعبير أصبحت سلعة لا يشتريها إلا الأثرياء. هذا القانون، الذي مرره البرلمان، لم يكن سوى قناع إصلاحي يستر وجه القمع، ويضمن استمرار تكميم الأفواه تحت طائلة عقوبات مالية باهظة وتهديدات مستمرة بالحبس بموجب قوانين أخرى.

3. نواب المحرق: نشاز المعارضة الخجولة
يكشف تحليل الأداء الجماعي لنواب محافظة المحرق كمثال عن مشهد برلماني يغلب عليه التماهي المطلق مع التوجهات الحكومية، مع استثناءات نادرة تؤكد القاعدة. السمة البارزة لهذا الأداء هي الغرق في "النشاط الكمي" المفرغ من أي تأثير نوعي. فالنواب يتسابقون في تقديم عشرات "الاقتراحات برغبة" (وصلت إلى أكثر من 40 اقتراحاً لبعض النواب)، وهي أدوات غير ملزمة لا تعدو كونها "تمنيات" تذروها الرياح، تُستخدم للاستهلاك الإعلامي وتجميل الصورة البرلمانية. في المقابل، يغيب استخدام الأدوات الرقابية الحقيقية كالاستجوابات ولجان التحقيق الجدية بشكل شبه تام.
الأكثر دلالة على هذا التماهي هو التصويت الجماعي لغالبية النواب (بمن فيهم رئيس المجلس) بـ "مع" على قوانين محورية ومثيرة للجدل، مثل الميزانية العامة وقانون الصحافة القمعي. هذا التصويت يفرغ أي نشاط برلماني من مضمونه، ويحول النواب إلى مجرد مصادقين على قرارات السلطة التنفيذية. ورغم بروز أصوات معارضة خجولة ونادرة (مثل تصويت نائبين بـ "ضد" على الميزانية وقانون الصحافة)، إلا أن هذه الأصوات تظل نشازاً في سيمفونية الامتثال العام، ولا تكفي لتغيير مسار برلمان اختار طواعية التخلي عن دوره الرقابي والتشريعي الحقيقي لصالح البقاء في المنطقة الدافئة للموالاة.

4. العزل السياسي والتجنيس: هندسة ديموغرافية وسياسية
في الوقت الذي يتم فيه "تجنيس" شخصيات مثيرة للجدل وتعيينها في واجهات دبلوماسية فور وصولها، يصر البرلمان والحكومة على التمسك بـ "العزل السياسي" للمواطنين الأصليين. فقد رفضت الحكومة، بمباركة برلمانية صامتة، مشروعات قوانين تمنح المحرومين من حقوقهم السياسية حق العودة للمشاركة.
هذا التناقض الصارخ؛ بين "الكرم الحاتمي" في التجنيس السياسي و"البخل الشديد" في منح المواطن حقه في التمثيل، يكشف أن البرلمان الحالي، بحسب منتقدين، ليس سوى أداة لـ "هندسة ديموغرافية وسياسية" تهدف لإقصاء المعارضة وتكريس "صوت واحد" لا يعلو عليه صوت. إنها سياسة ممنهجة لتغيير التركيبة السكانية والسياسية، وتهميش الأصوات الوطنية الأصيلة، في مشهد يثير القلق العميق حول مستقبل الهوية الوطنية والديمقراطية في البحرين.

5. "الاقتراحات برغبة": مسكنات الألم لجسد منهك
تفاخر البرلمان بالموافقة على عشرات "الاقتراحات برغبة" (40 اقتراحاً في جلسة واحدة!). ولغير المطلعين، فإن "الاقتراح برغبة" في القاموس السياسي البحريني هو مجرد "رسالة غرامية" من النائب للحكومة، للأخيرة كامل الحق في إلقائها في سلة المهملات دون إبداء الأسباب. إن التركيز على هذه الاقتراحات الهامشية (مثل دعم فواتير كهرباء النوادي أو إحلال المواطنين في مهن منقرضة) هو تخدير موضعي لجمهور يدرك تماماً أن القرارات الحقيقية تُصنع في مكان آخر، بعيداً عن "قبة" النواب.

في تلك الفترة، لم يعد السؤال في الشارع البحريني عن ما سيفعله البرلمان، بل عن قدرته على فعل أي شيء أصلاً!

6. سياق القمع: برلمان بلا أنياب في دولة بلا حريات
لا يمكن فهم أداء مجلس النواب البحريني بمعزل عن السياق السياسي والحقوقي الأوسع في البلاد، والذي يتسم بتضييق ممنهج ومستمر على حرية التعبير والتجمع. إن الأرقام تتحدث عن نفسها: 37 انتهاكًا ضد كتاب ونشطاء في النصف الأول من عام 2025 وحده. هذا الواقع المرير يلقي بظلاله الكثيفة على أي حديث عن "ديمقراطية" أو "تمثيل شعبي"، ويجعل من البرلمان مجرد أداة لتمرير سياسات القمع وتكريس الاستبداد.
تعديلات قانون الصحافة، التي أقرها البرلمان في مايو 2025، هي مثال صارخ على كيفية استخدام "الإصلاحات" كقناع لإضفاء الشرعية على القمع. فإلغاء عقوبة الحبس للصحفيين، وهو ما تم الترويج له كإنجاز، لا يعدو كونه مناورة تكتيكية. فالعقوبات المالية الباهظة (تصل إلى 50 ألف دينار بحريني) والتهديدات المستمرة بالحبس بموجب قوانين أخرى تضمن استمرار تكميم الأفواه.

7. تناقضات السياسة: التطبيع وتجريم التعاطف
في خضم هذه المسرحية السياسية، لم يجد البرلمان حرجاً في الانخراط في فصول أكثر إيلاماً، حيث شهدت الفترة تجريم التعاطف مع جبهة المقاومة المشروعة، في خطوة يرى فيها الكثيرون تنافياً مع أبسط مبادئ العروبة والإنسانية. وفي المقابل، فُتح باب التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، وهو ما قوبل برفض شعبي واسع، وكأن البرلمان يصر على إثبات أنه لا يمثل إلا أجندات لا علاقة لها بنبض الشارع. هذا التناقض الصارخ بين قمع المشاعر الوطنية وتسهيل العلاقات مع المحتل، يضع علامات استفهام كبرى حول بوصلة هذا المجلس، ويؤكد أنه بات أداة لتمرير سياسات لا تخدم إلا مصالح ضيقة، على حساب كرامة الأمة ومستقبلها.

8. ارتفاع خطاب الكراهية: شرخ في جسد الوطن
لم يقتصر الأمر على التضييق السياسي، بل امتد ليشمل انفلاتاً في الوضع القانوني، حيث باتت القوانين، بحسب منظمات حقوقية، تُفصّل على مقاس السلطة، وتُستخدم كأداة لسحق المعارضة. وشهدت هذه الفترة ارتفاعاً مقلقاً في خطاب الكراهية الطائفية، خاصة بعد سحب الجنسية من مواطنين بسبب عقيدتهم الدينية أو السياسية. هذا التمييز الصارخ أدى إلى شرخ عميق في النسيج الاجتماعي، وتغذية للفتنة الطائفية التي تهدد وحدة الوطن. وفي ذروة هذا الانفلات، تم اعتقال مجموعة بارزة من علماء الشيعة، في رسالة واضحة بأن أي صوت معارض، حتى لو كان صوت الحكمة والدين، لن يسلم من قبضة القمع. هذه الممارسات لا تزيد الوضع إلا تأزماً، وتدفع بالبلاد نحو حافة الهاوية.

9. جدوى مجلسي الشورى والنواب: عبء مالي ومؤشرات غضب شعبي
في ظل هذا الأداء، يبرز سؤال جوهري حول الجدوى من وجود مجلسي الشورى والنواب. فقد تحولا، في نظر الكثيرين، إلى عبء ثقيل على الميزانية المالية للدولة، دون أن يقدما أي قيمة حقيقية للمواطن. فالمجلسان، بتركيبتهما الحالية، لا يمثلان إرادة الشعب، ولا يمارسان أي دور رقابي أو تشريعي فعال. إنهما مجرد واجهة مكلفة، تستنزف موارد البلاد، وتزيد من حالة الإحباط الشعبي. هذا الوضع المتأزم، مع تزايد الغضب المكتوم، ينذر بانفجار شعبي قادم لا محالة، فملامح الغضب باتت واضحة في عيون المواطنين الذين سئموا من هذه المسرحية السياسية، وباتوا يدركون أن التغيير الحقيقي لن يأتي من قبة برلمان فقد بوصلته وضميره.

ختاما: من المفيد أن نتذكر المقولة الشهيرة للزعيم الوطني الراحل الشيخ عبد الأمير الجمري رحمه الله (في خطبته التاريخية في مسجد الصادق (ع) بالمنامة بتاريخ 22 فبراير 2002 على هامش مرحلة الميثاق الوطني والانتخابات النيابية آنذاك) وهي قوله: "ليس هذا هو البرلمان الذي ناضل من أجله الشعب". في دلالة على تآكل وظيفة البرلمان وغياب الإرادة الشعبية الكاملة التي ضحى من أجلها شعب البحرين.