هل يكرر الملك خطيئة عيسى بن علي المعزول بترسيخ الدولة القلقة؟
باقر درويش - 2026-05-12 - 6:01 م
مرآة البحرين: في 26 أيار/ مايو 1923م عُقدت الجلسة الشهيرة بمجلس عزل حاكم البحرين السابق عيسى بن علي آل خليفة بعمر 75 سنة، بعد مخاض فترة طويلة من تدافع الأحداث والتحركات مابين 1904 - 1923؛ في الجلسة التي تلا فيها المقيم السياسي البريطاني في البحرين ستورات جورج نوكس ما جاءه من أوامر من وزارة الشؤون الخارجية في لندن.
وجاء في الخطاب: "يا سادة آل خليفة، عند الرجوع إلى الماضي، أخشى أنّ من واجبي تحذيركم بأنّ مجرّد وجودكم في الحياة، لا يعني أن من حقكم العيش على حساب المجتمع، سواءٌ أكان ذلك عبر مخصصات تقتطع من عائدات هذه الجُزُر أو عبر استغلال الفقراء والمساكين. إنّ المثل القائل: "من لا يعمل، لا يأكل" هو شعارُ جيد، والأفضل لكم تطبيقه على حالتكم".
لماذا نستحضر هذا الحدث؟ يصدف أن يكون الخطاب في شهر أيار/مايو وهو نفس الشهر الذي شهد يوم الجنون الطائفي للسلطة وتحديدًا في تاريخ 9، بعيدا عن مشهدية تفصلنا عنها 103 سنوات، وقد تناولتها بعض الدراسات التاريخية.
في الحالة البحرينية، لم تنفصل جدلية الإصلاح المؤسسي والإداري والقضائي والاشتباك الثقافي بالهوية الوطنية عن مظاهر التأزيم المتكررة.
لم يعزل عيسى بن علي آنذاك لأنه لم يكن يملك قوة السلاح؛ بل لأنه كان فاقدًا للقدرة على إنتاج التوافق الداخلي والاستقرار المجتمعي.
في أرشيف الوثائق البريطانية الكثير من المستندات التي تتناول المشاكل المتعلقة باضطهاد المسلمين الشيعة بسبب الضرائب والنظام الإداري بوصفها من الأسباب المركزية للأزمة، فبعد 19 سنة من تراكم الأزمات تحولت صورة القمع الداخلي، وعصا المشيخة، إلى عبء ثقيل على الرغبة في الاستقرار، وأوصلت إلى مرحلة الانسداد السياسي التام، واليوم تتكرر نسخة مستحدثة من ذات عوامل التأزيم، كيف لا والسلطة حددت كل مقدرات الطائفة الشيعية بوصفها مصدرًا للتهديد الأمني!
تحتكر السلطة كل الفضاء السياسي المغلق على المعارضة، من مؤسسات، وإعلام، وقوانين، في النهاية هي تمتلك أدوات الدولة، لكنها في ذات الوقت، تفشل في تحقيق التوافق الداخلي، تفشل في تحويل الشيعة إلى شركاء حقيقين في إدارة البلاد، تفشل في الإجهاز على المعارضة السياسية، تفشل في انتزاع الشرعية السياسية، تفشل في إنهاء اعتمادها على الحماية الخارجية .. "عن القواعد العسكرية الأمريكية والتعاون مع الموساد أتحدث".
تفشل في انتزاع ولاء للسلطة -والولاء للوطن لا يعني الاندماج مع سياسات السلطة القمعية- ، تفشل في بناء الثقة السياسية، فهي من جهة تسيطر على الواقع الأمني، وتعمل على تفكيك المعارضة، إلا أنها وجدت نفسها في مواجهة مع المجتمع بأكمله، فأصبحت العقلية الأمنية هي الحاكمة على المشهد.
لننظر من بعيد، الديوان الملكي يستنفر بيانات التأييد من العوائل والأفراد والوجوه المغمورة، تنبري وزارة الداخلية في تصدير الخطاب الأمني الجديد للدولة: الحوزات العلمية، القصيدة الموكبية، المنبر الحسيني، خطب الجمعة، صلاة الجماعة، العمل الخيري، رياض الأطفال، الكتب الفقهية، المرجعيات الدينية، كلها أصبحت أهداف أمنية معادية، ألا يعكس ذلك فشلًا في السيطرة على المجتمع الإسلامي بعد سنوات متلاحقة من انفلات القمع؟ ألا يعد ذلك أوضح صور الدولة القلقة؟
نعيش اليوم أخطر اللحظات السياسية في التاريخ الحديث للبحرين مع لجوء السلطة إلى ذروة القمع، في الوقت الذي كثرت فيه توقعات انحسار القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة؛ وهو حدث -مهما كان جدوله الزمني- يصعب أن تصمد طويلا أمام تداعياته مظاهر القمع والعداء للشيعة في البحرين.
هل يصر قصر الصافرية على تكرار خطيئة مايو 1923؟
من يدري.. ربما مقولة طرفة بن العبد على غلاف جريدة الأيام البحرينية التابعة للديوان الملكي تحمل إحدى الإجابات :
سَتُبدي لَكَ الأَيّامُ ما كُنتَ جاهِلاً وَيَأتيكَ بِالأَخبارِ مَن لَم تُزَوِّدِ