تبذير في الخارج وأزمات في الداخل: رفاهية الرياضة وتحديات الدين العام في البحرين

2026-02-19 - 10:56 م

مرآة البحرين: بينما كانت صالة "ألكسندر نيكوليتش" في العاصمة الصربية بلغراد تهتز قبل أيام تحت وطأة أقدام المقاتلين في بطولة (BRAVE CF 104)، كان المواطن البحريني في المنامة يرقب بصمت تصاعد أرقام الدين العام التي بلغت مستويات غير مسبوقة. هذه البطولة، التي أقيمت في 14 فبراير 2026، ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة الفعاليات الرياضية العابرة للحدود التي يرعاها خالد بن حمد آل خليفة، والتي تثير تساؤلات متزايدة حول جدوى هذا الإنفاق المليوني في ظل واقع اقتصادي محتقن.


استعراض القوة خلف الحدود
شهدت الفعالية الأخيرة في بلغراد استجلاب عشرات المقاتلين الأجانب، من البرازيل إلى إيطاليا وصربيا، حيث تضمن الحدث نزالات احترافية بعقود مالية باهظة. وتعد منظمة "بريف" (BRAVE CF) التي أسسها الأمير المدلل ، الذراع الرياضي الأبرز لاستقطاب الرياضيين الأجانب، حيث توفر لهم مخصصات تشمل تذاكر الطيران من الدرجة الأولى، والإقامة في أرقى الفنادق، ومكافآت نقدية مجزية مقابل "أفضل أداء" أو "ضربة قاضية". هذا الإنفاق لا يتوقف عند حدود المنظمة، بل يمتد ليشمل قمة الرياضة البحرينية 2026 التي انطلقت مؤخراً بمشاركة 50 متحدثاً دولياً، وبطولات الرجل القوي المرتقبة في أبريل القادم.

مصاريف هائلة ودين خانق
تقدر تقارير غير رسمية أن ميزانيات هذه المنظمات والفعاليات السنوية تلتهم عشرات الملايين من الدنانير. وبينما يُروّج لهذه النفقات كـ "استثمار رياضي"، تشير الأرقام الاقتصادية لعام 2026 إلى واقع مغاير؛ فقد تجاوز الدين العام للمملكة حاجز الـ 19 مليار دينار بحريني (أكثر من 50 مليار دولار)، بنسبة تخطت 130% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا العجز المالي أدى بالضرورة إلى سياسات "تقشفية" طالت جيب المواطن، حيث شهد مطلع عام 2026 رفعاً جديداً لأسعار الخدمات الأساسية ضمن خطط "التوازن المالي".

الرياضة مقابل التوظيف
عند النظر إلى الموازنة العامة، تبرز مفارقة صارخة في توزيع الموارد. فبينما تحظى المشاريع التابعة لـ خالد بن حمد والهيئة العامة للرياضة بتدفقات مالية مرنة وميزانيات مفتوحة للاستضافات العالمية، تعاني برامج "تمكين" ودعم التوظيف من ضغوط لتقليص النفقات أو تحويل الدعم إلى قروض بدلاً من منح.
تستهلك الفعالية الرياضية الواحدة (مثل أسبوع القتال الدولي) ميزانية تشغيلية قد تغطي تكاليف تدريب وتوظيف مئات الخريجين البحرينيين لعام كامل.
المبالغ المرصودة لاستقدام مدربين ومستشارين رياضيين أجانب في فريق (KHK MMA) تتجاوز في كثير من الأحيان سقف الرواتب المخصص للكفاءات الوطنية في القطاعات التقنية والمهنية.
هذا التفاوت يكرس شعوراً بالإحباط لدى الشباب، حيث يرى الخريج البحريني أن "الاستثمار في المقاتل الأجنبي" بات يتقدم على "الاستثمار في المواطن"، مما يضع سياسات البحرنة في مهب الريح أمام سطوة "البهرجة الرياضية".

القنبلة الموقوتة
في قلب هذا المشهد، يبرز ملف البطالة كأحد أكثر الملفات إيلاماً. فبينما يتم توظيف الأجانب بمخصصات خيالية، تترنح نسب البطالة الحقيقية بين الشباب في مستويات مقلقة، خاصة في ظل تدفق الخريجين الجدد إلى سوق عمل غير قادر على استيعابهم. ويترافق هذا التأزم مع حالة من "الجمود السياسي" المزمن؛ فالمؤسسات التشريعية تبدو عاجزة عن مراقبة ميزانيات الهيئات الرياضية المرتبطة بأفراد العائلة الحاكمة، مما يمنح الضوء الأخضر لاستمرار الصرف البذخي دون حسيب.

وبينما تواصل منظمة (KHK MMA) التوسع عالمياً، يبقى السؤال قائماً: إلى متى يمكن لهذه "القبضات" الرياضية أن تخفي صوت الأزمة الاقتصادية؟ إن الارتباط الوثيق بين المصاريف الرياضية الهائلة وازدياد الأعباء المعيشية يرسم صورة لمملكة تعيش في عالمين متوازيين؛ عالم المنصات الملونة، وعالم المواطن الذي يصارع ديوناً سيادية لم يشارك في صنعها، ولا يرى من عوائدها سوى صوراً لمقاتلين أجانب يُتوجون بذهب البحرين.