زيادة علاوة الغلاء: قراءة نقدية في كفاية الدعم وحدود الحماية الاجتماعية

2026-01-07 - 8:01 ص

مرآة البحرين: أعلنت حكومة مملكة البحرين عن رفع قيمة علاوة الغلاء الشهرية المخصصة للأسر محدودة الدخل، على أن يبدأ تطبيق الزيادة اعتباراً من يناير 2026، وذلك بتوجيه من سلمان بن حمد ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء. وجاء القرار ضمن حزمة أوسع من الإجراءات الاقتصادية التي شملت تعديل أسعار الوقود والطاقة، في إطار مسار إصلاحي يهدف إلى تحقيق الاستدامة المالية وضبط الإنفاق العام.

الزيادة الجديدة رفعت قيمة العلاوة إلى 130 ديناراً بحرينياً شهرياً للأسر التي يقل دخل رب الأسرة فيها عن 300 دينار، فيما حُددت بـ97 ديناراً للأسر التي يتراوح دخلها بين 301 و700 دينار، و75 ديناراً للأسر التي يصل دخلها إلى 1000 دينار. وبالمقارنة مع المستويات السابقة، تمثل هذه الزيادة تحسناً رقمياً يتراوح بين 20% و30% لبعض الشرائح، ما يعكس محاولة رسمية لتعزيز شبكة الحماية الاجتماعية في مرحلة تشهد تحولات اقتصادية حساسة.

إلا أن السؤال الجوهري لا يتعلق بنسبة الزيادة بقدر ما يتعلق بكفايتها الفعلية في مواجهة الضغوط المعيشية المتصاعدة، فالزيادة لم تتجاوز عشرين دينارًا، في حين أن ما تم رفعه من أسعار ورسوم وضرائب ضمن الحزمة الأخيرة سينعكس خلال الأشهر المقبلة على الأسر البحرينية متوسطة العدد بزيادة مباشرة وغير مباشرة، تُقدَّر - بحسب اقتصاديين - بما لا يقل عن مئة دينار شهريًا.

فعلى الرغم من أن البيانات الرسمية تشير إلى تسجيل البحرين واحداً من أدنى معدلات التضخم في دول الخليج، حيث بلغ نحو 0.3% خلال عام 2025، مع توقعات ببلوغه قرابة 0.8% في 2026، فإن هذه المؤشرات العامة لا تعكس بالضرورة واقع الإنفاق اليومي للأسر محدودة الدخل. فالتضخم المحسوب إحصائياً يختلف عن "التضخم المعيشي" الذي يتركز في بنود أساسية مثل الوقود، النقل، الغذاء، والكهرباء.

ومع دخول أسعار الوقود الجديدة حيز التنفيذ في يناير 2026، ارتفعت تكلفة البنزين بمختلف أنواعه بنسب متفاوتة، إلى جانب زيادة سعر الديزل. هذه الزيادات، وإن كانت مبررة رسمياً بآلية الربط بالأسعار العالمية وتقليص فجوة الدعم، تحمل آثاراً مباشرة وغير مباشرة على ميزانيات الأسر. فارتفاع الوقود لا ينعكس فقط على تكلفة التنقل، بل يمتد إلى أسعار السلع والخدمات المرتبطة بالنقل والتوزيع، ما يضاعف أثره على المستهلك النهائي.

تقديرات غير رسمية تشير إلى أن أسرة متوسطة تعتمد على سيارة واحدة أو اثنتين قد تتحمل زيادة شهرية تتراوح بين 50 و100 دينار في بند الوقود وحده، وفق أنماط الاستهلاك. وعند إضافة الزيادات المحتملة في الكهرباء والمياه للشرائح الأعلى استهلاكاً، فضلاً عن ارتفاع أسعار بعض السلع الغذائية، يتضح أن الجزء الأكبر من الزيادة في علاوة الغلاء قد يُستهلك سريعاً في تغطية هذه التكاليف الجديدة.

وتُظهر بيانات تكلفة المعيشة أن أسرة مكونة من أربعة أفراد تحتاج إلى ما يزيد على 1,150 ديناراً بحرينياً شهرياً لتغطية النفقات الأساسية من دون احتساب الإيجار، بينما يحتاج الفرد الواحد إلى أكثر من 300 دينار. ورغم أن البحرين لا تزال تُصنف كأقل كلفة معيشية مقارنة ببعض دول الجوار، إلا أن الاتجاه العام يشير إلى ارتفاع تدريجي في كلفة الحياة، خاصة في ظل توقعات بزيادة أسعار الغذاء والنقل خلال العامين المقبلين.

في هذا السياق، تبدو زيادة علاوة الغلاء خطوة إلهاء أكثر منها تعويضية. فهي قد تساعد في امتصاص جزء من الصدمة، لكنها لا تعالج جذور الضغط المعيشي، ولا تواكب بشكل كامل التحولات في بنية الإنفاق الأسري. ويزداد هذا التحدي وضوحاً لدى شريحة الدخل المتوسط الأدنى، التي لا تستفيد من الدعم الأقصى، وفي الوقت نفسه تتحمل التزامات مرتفعة مثل الإيجارات، القروض، أو تكاليف التعليم.

على المستوى الشعبي، عكست النقاشات في وسائل التواصل الاجتماعي حالة من التباين الواضح. فبينما رحب بعض النواب والمسؤولين بالقرار واعتبروه دليلاً على التزام الدولة بحماية الفئات الأضعف، عبّر مواطنون كثر عن قلقهم من أن الزيادة لا تتناسب مع حجم الارتفاع في النفقات، مطالبين بحلول أوسع تشمل تحسين الأجور، إعادة النظر في القروض، وضمان قدر أعلى من الشفافية في إدارة الموارد العامة.

في المحصلة، يمكن النظر إلى رفع علاوة الغلاء كجزء من سياسة انتقالية تسعى إلى تحقيق توازن صعب بين الاستدامة المالية والحماية الاجتماعية. غير أن نجاح هذه السياسة سيظل مرهوناً بقدرتها على التكيف مع الواقع المعيشي، وباستكمالها بإجراءات هيكلية أعمق تضمن ألا تتحول المعالجة المؤقتة إلى فجوة اجتماعية طويلة الأمد.